Page 147 - web
P. 147
مقالات وآراء
الدبلوماسية الحضارية في العصر الرقمي:
الإعلام الرقمي كأداة لتعزيز الحوار
الحضاري والأمن الفكري
يشهد العالم المعاصر تحولات متسارعة بفعل الثورة التكنولوجية عبد المنعم ضمير
والتحول نحو مجتمعات «التليماتيك» ،التي أحدثت تغييرات جذرية في
أنماط الاتصال والتواصل ،من خلال إتاحة الولوج السريع والواسع إلى أستاذ باحث بالرابطة المحمدية للعلماء
المعلومات في مختلف مجالات الحياة بوتيرة غير مسبوقة في التاريخ المغرب
الإنساني .وقد أسهم هذا التحول في إعادة تشكيل الُُبنى الاجتماعية
والثقافية ،وأثر بشكل مباشر وغير مباشر في طبيعة العلاقات بين الأفراد 146
والمجتمعات والدول.
وفي هذا السياق ،يمكن توصيف العصر الراهن بأنه عصر انفجار
معلوماتي متسارع ،تتعذر معه الإحاطة الشاملة بتد ّّفقات المعرفة
المتزايدة ،الأمر الذي أفضى إلى إعادة رسم الحدود التقليدية الفاصلة
بين الفئات المجتمعية المختلفة ،سواء كانت دينية أو قومية أو لغوية
أو جغرافية .كما أفرز هذا الواقع تحديات جديدة تم ّّس الأمن الفكري،
وتفرض أنماً ًطا مستحدثة من التفاعل الثقافي والتواصلي على المستويين
الوطني والدولي.
وانطلا ًًقا من ذلك ،تبرز الدبلوماسية الحضارية بوصفها إطا ًًرا ناعًًما لإدارة
التنوع الثقافي وتعزيز ثقافة الحوار بين الشعوب والحضارات ،مستندًًة
إلى الإعلام الرقمي كأداة إستراتيجية لبناء التفاهم المتبادل ،ونشر قيم
السلم ،وتشجيع تسوية النزاعات بوسائل سلمية .فقد أسهمت الثورة
المعلوماتية في جعل العالم أشبه بقرية كونية ،وأضحى مصير الإنسانية
أكثر ترابً ًطا في مواجهة تحديات مشتركة ،من قبيل التلوث البيئي ،وندرة
الموارد المائية ،والأوبئة العابرة للحدود ،وغيرها من الإشكالات العالمية
المعقدة.
وتكمن أهمية الدبلوماسية الحضارية ،في هذا الإطار ،في قدرتها على
توظيف الإعلام الرقمي لتطوير حلول جماعية وصياغة سياسات تواصلية
جديدة في مجالات متعددة ،مثل الصناعة والاقتصاد والصحة ،بما
يسهم في تحقيق التنمية المستدامة ،والحفاظ على استقرار المجتمعات
وضمان مستقبل الإنسانية .إذ ترتكز الدبلوماسية الحضارية على منظومة
من القيم والمبادئ الإنسانية المشتركة التي تسعى إلى إثراء الفكر الإنساني

